مجتمع ينام من العاشرة مساءً.. كيف له أن يتقدم؟

بقلم أحمد سعد الدندراوي

في مجتمعاتنا كثيرًا ما تُتخذ حياة أهل القرى نموذجًا للسخرية، خصوصًا حين يُقال إنهم ينامون بعد صلاة العشاء مباشرة، ولطالما كنت مؤمنًا أنا أيضًا بأن هذه المجتمعات محدودة الفكر إلى حد ما، وكنت أتساءل: كيف يمكن لشخص أن ينام في التاسعة أو العاشرة مساءً في هذا العصر الذي لا يتوقف فيه شيء؟

عندما سافرت إلى الولايات المتحدة، كنت أتصور العكس تمامًا، كنت أظن أنهم لا ينامون ليلًا ولا نهارًا؛ فهم يقودون الاقتصاد العالمي، ويتصدرون مجالات العلم والفكر، وبالتالي كنت أتخيل مجتمعًا يعمل بلا توقف.

في أول يوم لي هناك، كنت أقيم في فندق قريب من البيت الأبيض في واشنطن العاصمة، وفي حوالي العاشرة مساءً خرجت من غرفتي لأشتري بعض الاحتياجات من أحد المتاجر القريبة، لكنني فوجئت بأن المتجر قد أغلق أبوابه.

وجدت بعض العاملين يقفون في الخارج، فسألتهم: لماذا أغلقتم؟ فجاء الرد بسيطًا ومباشرًا: “لقد أصبحت الساعة العاشرة مساءً، وهذا موعد الإغلاق.”

كانت الإجابة عادية بالنسبة لهم، لكنها بالنسبة لي أثارت تساؤلات كثيرة، هل يعقل أن تُغلق المتاجر في دولة تقود أكبر اقتصاد في العالم في مثل هذا الوقت؟ وكيف كنا نربط دائمًا بين النجاح والسهر الطويل؟

هذا الموقف دفعني إلى التأمل والبحث أكثر، فوجدت أن الأمر لا يتعلق بالنوم المبكر فقط، بل بأسلوب حياة كامل قائم على تنظيم الوقت، واحترام ساعات العمل، وإعطاء الجسد والعقل حقهما الطبيعي من الراحة.

المفارقة أن هذا النمط لم يكن غريبًا عنا نحن أيضًا، فقد كان النوم المبكر والاستيقاظ المبكر جزءًا أصيلًا من نمط حياتنا لسنوات طويلة، لكننا مع الوقت قلبنا المعادلة؛ فأصبح الليل وقت النشاط والعمل والترفيه، وأصبح النهار وقت الإرهاق ومحاولة تعويض ما فقدناه من النوم.

والأغرب من ذلك أننا بدأنا ننظر إلى من ينام مبكرًا ويستيقظ مبكرًا باعتباره شخصًا تقليديًا أو رجعيًا، وكأن السهر أصبح معيارًا للتطور، والإرهاق دليلًا على الجدية والنجاح.

ربما القضية ليست في موعد النوم نفسه، فلكل مجتمع ظروفه ونمط حياته، لكن السؤال الحقيقي هو: متى تحول السلوك الصحي إلى مادة للسخرية؟ ومتى أصبحنا ننظر إلى العادات المنظمة باعتبارها شيئًا بعيدًا عن روح العصر؟

أحيانًا لا تغيرنا المواقف الكبيرة، بل قد يغيرنا متجر أغلق أبوابه في العاشرة مساءً.

Facebook
Twitter
LinkedIn

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *